إخوان الصفاء

437

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وهكذا حكم كتاب المجسطي ، وأكثر كتب الفلسفة هكذا حكمها . وإذ قد فرغنا من ذكر كيفيّة دخول الخطأ في القياس من جهة جهل المتعلّمين ، فنريد أن نذكر كيفيّة دخول الخطأ من جهة القياس واعوجاجه . فصل في كيفية اعوجاج القياس وكيف التحرز منه واعلم يا أخي بأن الخطأ الذي يدخل في القياس من جهة اعوجاجه كثير الفنون كثرة يطول شرحها ، ذكر ذلك في كتب المنطق ، إلّا أنّا نريد أن نذكر في هذا الفصل شرائط القياس المستوي حسب ، ليتحفّظ بها ويقتصر على استعمال ما في البراهين ، ويترك ما سواه من القياسات التي لا يؤمن فيها من الخطأ والزلل . فمن القياسات التي تخطئ وتصيب القياس على مجرى العادة بالأنموذج ، وهو قياس الجزء على الكل . واعلم يا أخي أن القياس الذي لا يدخله الخطأ والزلل هو الذي حفظ في تركيبه واستعماله الشرائط التي أوصى بها أرسطاطاليس تلاميذه ، وهي هذه : ينبغي أن يؤخذ في كل علم وتعلّم قياسيّ معنيان معلومان ، مما هو في أوائل العقول ، وهما : هل هو ، وما هو ؟ وإنما أوصى بهذا من أجل أنه لا يمكن أن يعلم مجهول بمجهول ، ولا أن يقاس على شيء مجهول وشيء معلوم ، فلا بدّ أن يؤخذ شيء معلوم مما هو في أوائل العقول ، ثم يقاس عليه سائر ما يطلب بالبرهان . والذي في أوائل العقول شيئان اثنان : هويّات الأشياء وماهيّاتها ، وذلك أن هويّات الأشياء تحصل في النفوس بطريق الحواس ، وماهيّاتها بطريق الفكر والرويّة والتمييز ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس . وإذا حصلت هويّات المحسوسات في النفس بطريق الحواس ، وماهيّاتها بطريق الفكر والروية والتمييز ، سميت النفوس عند لك عاقلة . وإذا تأملت وأردت يا أخي أن تعرف ما العقل الإنساني ،